بذهبية «فالنسيا» ابتدأ الحوار وبوجع الوطن انتهى..

فارس الحلو ....

مسؤولية الحلم وشقاوة الحياة

دمشق - صحيفة تشرين
ثقافة وفنون - الثلاثاء 14 تشرين الثاني 2006

حوار: سمر بغجاتي

الحياة مجموعة متلازمة من أيامنا، وكيف نعيش هذه الأيام تكون نتائج حياتنا. النجاح هو الهدف غير المعلن للجميع، ومهما ترفعنا عن البوح به يبقى هو الهاجس الوحيد القادر على خلق حالة القلق في أنفسنا والقادر على جعلنا نحيا بصورة أجمل.

هذا القلق الجميل الذي يعطي المعنى لكل ما نقوم به هو ما يميز الفنان فارس الحلو وهو الذي لم يغره شيء سوى الحقيقة ولم يبعده شيء سوى النفاق. ‏

وتأتي جائزة أفضل ممثل في مهرجان فالنسيا السينمائي الدولي لتمنح هذا الفنان الإنسان بضع لحظات من نشوة الفرح الذي غاب عنه وعنا طويلا.

فارس الحلو الفائز بذهبية فالنسيا عن دوره في فيلم (علاقات عامة) ربما يكون أبعد ما يكون عن لعبة العلاقات العامة بمفهومها الذي تبناه الكثيرون اليوم لكنه يؤكد أنه قادر على رصد العلاقات العامة بشكل ممتاز: ‏

"أرصد تغيراتها وانقلاباتها وتحولاتها عند كل الأشخاص. وأرصد جيدا علاقات الكبار بالصغار وعلاقات الصغار بالكبار. وصار من الواضح أنه لم يعد هناك خجل من الدعوة إلى نوع من العلاقات العامة المفتوحة جدا لحد العهر». ‏

ويضيف بألم يحاول إخفاءه: «العلاقات العامة علم قائم بحد ذاته وله دور كبير في تسيير شؤون المجتمعات. العلاقات العامة في المجتمعات الأخرى هي علم موجود لتيسير أهداف محددة وهي غالباً ما تكون عامة تتسرب إليها بعض الأهداف الخاصة... لكن في مجتمعاتنا أصبحت الأهداف الخاصة هي القاعدة والأهداف العامة هي الاستثناء!! وهذا ينم عن خلق فاسد.."

ہوماذا تقول جائزة بهذه الأهمية لفنان مثل فارس الحلو؟ ‏

«ببساطة جائزة من هذا المهرجان المتقدم والمتطور، تقول لي ولأي إنسان يحظى بها، بأنه كان يفكر ويعمل بشكل مناسب».. ‏

 

لماذا لم تكن موجودا في مهرجان فالنسيا لاستلام الجائزة لتفرح بها ونفرح معك؟؟ ‏

لا أدري!! مثل هذه الدعوات تأتي عن طريق مؤسسة السينما، وأنا لا أعرف كيف يتم التنسيق هناك. لكني علمت أنه حتى مخرج الفيلم الأستاذ سمير ذكرى لم يستطع الحصول على فيزا لحضور المهرجان!!!؟ ‏

 

فارس الحلو يبقى متهما سواء بالتقصير أو بعدم احترام الغير حيث سمعنا أكثر من مرة أنه لا يلتزم بتوجيهات المخرج ولا يلقي آذانا صاغية لرأي الآخرين أو لنصائحهم. ‏

يقال إنه ممثل مشاغب.. فما السبب؟ ولماذا لا يجيد صنعة العلاقات العامة في علاقاته داخل هذا الجو الثقافي الذي يعتمد وبالدرجة الأولى عليها؟؟

وفارس يؤكد أنه كلما سمع هذا الكلام تصيبه حالة من الدهشة والذهول ويقول:

 

«بعض المخرجين الذين لم أعمل معهم بعد وبعض المخرجين آخرين لم أعمل معهم منذ أكثر من عشر سنوات ما زالوا يوجهون النقد السلبي بحقي وأسمع الشتائم منهم كلما اعتذرت عن عمل ما!!!  وكأن اعتذاري عن نصوصهم يسبب لهم أهانه!!! عندما أرى ذلك، أحمد ربي أني لم أتعامل مع هذا العقل الصغير.. ‏

 

والعلاقات العامة؟ ‏

أنا لا أستطيع الاعتماد على العلاقات العامة لكي تحكم لي على جودة النصوص من ضعفها.. ‏

وإذا اعتمدت عليها، فإني بل اشك لن أستطيع تقويم نتائج عملي وسأبقى مشككاً بها لأن مسببات نتائجها غير أصيلة.. لا أستطيع الاعتماد إلا على نفسي وعلى ثقة الآخرين بي، وربما أخطئ في بعض الأحيان ولكن يبقى هذا الطريق أكثر أمناً وسلامة... ‏

 

الدراما التلفزيونية ‏

في هذا السياق نستطيع أن نقول بثقة شبه مطلقة أن فارس الحلو هو الفنان السوري الوحيد الذي يمنح عمله الفني حقه من الوقت المطلوب، فهو يتفرغ كاملاً لإنجاز العمل دون أن يشرك معه أعمالاً فنية أخرى.. ‏

وبعيداً عن الكم الذي فاضت به الشاشات العربية في غمرة رمضان و ما عرض خلاله لم يستطع فارس الحلو الشعور بالتميز الذي حققته الدراما السورية. إنه يرى أنه حتى أكثر المسلسلات مشاهدة (غزلان في غابة الذئاب) لا يتعدى أن يكون لوحة من اللوحات التي كانت تقدمها مرايا أو بقعة ضوء في بداياتهما. ويضيف:

 

أعمال هذا الموسم (كلمة الموسم تضحكني فهي تذكرني بموسم البطاطا والخيار)، المهم، أعمال هذا الموسم اعتمدت بشكل كبير على الميلودراما والعنف بقصد لفت نظر المشاهد، لكنها للأسف بقيت على السطح .. ربما لأن أصحابها عاجزون عن الإيغال في عمق المشكلات التي يطرحونها لسبب ما .. فصار هذا الأسلوب الميلودرامي المعتمد في أغلب المسلسلات: (صراخ بكاء نحيب غضب وتشنج وآلام) موظفاًَ للاستجداءات العاطفية لأجل قبول الفكرة... ‏

أعتقد أن الجميع كان يبحث عن عناوين جديدة للدراما السورية التي بدأت تترهل، ولولا أداء الممثلين العالي المستوى لسقطت دراما رمضان شر سقطة.. عموماً.. الفن مرتبك بانتظار الحالة السياسية الراهنة التي تحكم المجتمع».. ‏

الفن، السياسة، الإنسان ‏

وصلنا للسياسة ... وفارس الفنان لا ينفصل عن فارس الإنسان. يقول: ‏

«بما أني فنان فهذا لا يلغي مواطنتي. أنا أدفع الفواتير بانتظام وأقف بالطابور ووجعي كوجع كل المواطنين. أحلم ببيت كبير وسيارة فارهة وحياة كريمة وعادلة.. (الفنان مضروب بحجر كبير) ولكنه لا يزيد عن المواطن العادي بدرجة فارقة، بخاصة إذا عرفت أن الفنان السوري لا يتمتع بأي حق من حقوق العامل العادي. ‏

في سورية ما من عامل إلا ولديه عقد عمل منظم مع مؤسسة التأمينات الاجتماعية أو مع أي جهة أخرى (طبعا هذا لا ينفي وجود بعض المخالفات)، أما الفني والفنان وكل العاملين في الحقل الفني الذين تعتبر مهنتهم ثاني أخطر مهنة في العالم بعد مهنة عمال المناجم، فإنهم لا يتمتعون بأي حق من حقوق العامل العادي. ‏

إن نقابتنا العتيدة، نقابة الفنانين، تتصرف بذكاء مخاتل وتضع الفنان كمواطن، في مواجهة شركات الإنتاج، وحكماً تكون الشركات هي المنتصرة كونها الأقوى. والنقابة تختبئ وراء الفنان بالاتفاق مع الشركات المنتجة. ‏

أثناء عملي في مسلسل «الوردة الأخيرة» تعرضت لإصابة (طلق ناري خلبي كان موجّهاً إلى وجهي) لكن المصادفة أن الإصابة النارية تحملتها كلها يدي اليمنى. ‏

هل تعلمين أنه لا أحد يتحمل المسؤولية وأن القانون غافل عن هذا؟!!! ‏

لم أجد من يقف معي، ولست وحدي من يتعرض لهذا الخطر. ‏

هل تعلمين أنه في كل موسم تقع إصابات قاتلة تسبب الوفاة ما بين 3 إلى 4 قتلى من الفنيين وإصابات أخرى من نوع الكسور والعاهات الدائمة تصيب الممثلين ولا وجود لمسؤول أو متابع لعلاجهم؟ أحياناً تتكرم الشركة المنتجة بعلاجهم وغالباً ما يكون بهدف إتمام التصوير فقط، وبعدها لا تتعرف على شيء. كل هذا لأن عقود عملنا غير مسجلة في مؤسسة التأمينات الاجتماعية والنقابة غائبة. ‏

البحث عن الجمال هاجسي الوحيد

 ‏

قد يكون الهم العام جمع فارس الحلو مع عدد كبير من الفنانين ليس فقط في مجال التمثيل بل غيرها من الفنون ومدفوعا بالغيرة على وطنه الكبير بالدرجة الأولى وبعدها مسقط رأسه أو بيته الصغير مشتى الحلو، شعر بضرورة أن يقوم بخطوة ما تجاه هذه المنطقة الجميلة المعروفة بإرثها الثقافي عبر التاريخ فلقد كان في منطقة مشتى الحلو خمس مدارس ثانوية في الوقت الذي كان في دمشق عشر مدارس ثانوية. ومع الزمن أصاب هذه المنطقة ما أصاب غيرها من تراجع على كل المستويات ومع التطور العمراني الذي تشهده إلا أنه يبقى تطورا عشوائيا دون ثقافة جمالية ودون أية محاولة لإبراز ملامح من شخصية المنطقة. ‏

من هنا كان مشروع ملتقى النحت الذي دعا إليه الفنان فارس الحلو بهدف تنشيط الحراك الثقافي والسياحي في المنطقة. وعن هذا يقول: ‏

تتمتع المنطقة بجمال طبيعي واضح ومعروف، لكني حاولت من خلال هذا المشروع أن أظهر ثقافة أهلها وأعيد تنشيطها وإضافة بعد ثقافي إلى جانب البعد السياحي للمنطقة. وكان هذا بالتعاون مع أبناء غيورين خوفا من انزلاقها نحو المجهول. ‏

ويؤكد فارس أن لأهالي المنطقة فضلاً كبيراً في إنجاح هذا المشروع فلقد كانوا كرماء ومضيافين ومتابعين ومتعطشين للتعرف على تفاصيل هذا الفن الجميل فتفاعلوا معه بشكل لائق وحاولوا قدر الإمكان تقديم صورة جميلة عن أنفسهم وعن منطقتهم. ‏

يقول فارس: «لقد كان للدكتور بسام بدري الحلو المغترب السوري المقيم في ألمانيا دور كبير في دعم الفكرة ماديا ومعنويا فقد ساهم بجزء مهم من التكاليف. ‏

أعتقد أن مثل هؤلاء الناس لايحبون نقل ثروتهم المادية إلى أبنائهم بالطريقة المغلقة على شكل أرقام وحسابات فقط، بل هم يرغبون أن يضيفوا إليها في توريثهم لأبنائهم ثروة أخرى من الفكر العميق والتواصل الإنساني والسلوك النادر..

إن هذا ينم عن وعي عال وحس نادر بالمسؤولية الوطنية، عدا عن هذا، هو يضمن بأن الأولاد والأحفاد سيتعلمون منه وبالتالي سوف يمتنعون عن التصرف بالثروة المالية التي يجدونها بين أيديهم بطريقة عشوائية.

إن هذا الإنسان يخلق لنفسه ولعائلته قيمة جمالية وثقافية إضافة إلى القيمة المالية. ‏

أعتقد أنه من الضرورة دائماً الإشادة بهؤلاء الناس وتشجيعهم، وزرع الثقة بهم وبنا، وبالمشاريع التي نقوم بها، والتعامل مع عطاءاتهم بأمانة شديدة، حتى لا يصابوا بالخيبة والأسف والإحباط بما أجادوا به ، وحتى لا يتحول عطاؤهم إلى عمل تجاري يهدف إلى الربح المادي على حساب الربح الروحي أو أي شيء آخر. ‏

أنت فنان ممثل، كيف تعاملت مع فن النحت؟ وماذا أعطتك هذه التجربة على الصعيد الشخصي؟ ‏

يجيب بهدوء: «أنا أعتبر الفنان مسؤولاً عن إنتاج الجمال والبحث عنه واكتشافه وتقديمه للناس. في أي زمان ومكان .. وهذا أس العلاقة بين الفنان و فنه والناس.. ‏

وعندما يعجز الفنان عن إيجاد الجمال في مهنته الأساسية يبحث عنه في مواقع أخرى .. وهذا ما حدث معي، فكان أن أسست لملتقى النحت الأول في مشتى الحلو والذي كان شكلاً من أشكال العمل الأهلي الثقافي الذي أسعى إليه، ومغامرة ممتعة ومثيرة تتوق لها نفسي.. كان لدي شعور ومازال بأني أؤسس لمشروع ثقافي كبير سيمنحني متعة الحلم والسعي والعمل، مع الإدراك التام لكل ما يحيط بنا من تخلف وظلم». ‏

ويضيف: «أحلامي لهذا المشروع كبيرة وأستعد الآن مع زملائي من الفنانين التشكيليين، وعلى رأسهم صديقي أكثم عبد الحميد، لإقامة ملتقى نحت دولي في مشتى الحلو، سأوظف نتاجه من الأعمال النحتية في تجميل المنطقة ولخلق النواة المطلوبة لإنشاء متحف فني في الهواء الطلق، فيكون هذا المتحف أول متحف فني في الهواء الطلق في سوريتنا. ‏

 

أحلم وأسعى ألا يقتصر الملتقى القادم على النحت على الحجر، بل أن أضيف إليه النحت على الخشب والرسم والتصوير وأن ترافقه عروض سينمائية في الهواء الطلق. ‏

أحلم أن تتحول مشتى الحلو خلال أشهر الصيف إلى مركز ثقافي مفتوح بعد أن ضاقت الغرفتان البائستان للمركز الثقافي الموجود فيها حاليا عن استيعاب أحلام أهاليها. ‏

سيكون هذا مساهمة مني ومن أهالي مشتى الحلو في حل مشكلة من مشكلات الدولة وتخفيفاً من الأعباء الملقاة على عاتقها». ‏

أين المسرح السوري؟

 ‏

وفي زحمة العروض المسرحية حيث كان لقاؤنا أثناء أيام مهرجان دمشق المسرحي كان لابد لنا من التعريج على المسرح وأوجاعه، لاسيما أن فارس الحلو خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، وهمه المسرحي لا يختلف عن همومه الأخرى. ‏

يقول فارس بحنق: ‏

«أستغرب أن تكون هناك عروض سورية نالت جوائز عربية وعالمية في مهرجانات أوروبية وأمريكية ولا تكون حاضرة في برنامج مهرجان دمشق. ويضيف: «للأسف لا يوجد نشاط مسرحي لافت في سورية إلا أيام المهرجان ونحن كممثلين مسرحيين نفتقد لمشاهدة مسرحيات لمجتمعات أخرى.. والعروض الأجنبية قليلة جدا ومحصورة في مدينتي دمشق وحلب. ‏

نحن لانعرف أين وصل مسرح الآخر.. والاحتكاك معه ضعيف جدا ويتم بشكل فردي من قبل بعض الممثلين المجتهدين. لكن هذا غير كاف لنهضة مسرحية كان قد خطط لها منذ ثلاثين عاما منذ إنشاء المعهد العالي للفنون المسرحية لكنها للأسف لم تحدث حتى الآن». ‏

وماهو المطلوب لتحقيق هذه النهضة؟؟.. سؤال أجاب عليه باعتبار إجابته بدهية لا تحتاج لكثير من التفكير.. : (تنشيط المسرح المدرسي طبعاً)... فبناء مسرح قوي وجميل يحتاج لبناء جيل مثقف يتذوق هذا الفن ويحبه ويحترمه... ويكون هذا بتنشيط المسرح المدرسي وتفعيله لاسيما بعد الإهمال المتعمد الذي لحق به ويضيف: «نحن لدينا الطاقات والكوادر التي تستطيع أن تنشئ هذا الجيل الجديد المتذوق والمثقف، لكنها للأسف هي جزء من الهدر الثقافي العام.. تستطيع هذه الكوادر والطاقات أن تخلق جيلاً مسرحياً من أطفالنا من خلال المسرح المدرسي الذي ساهم مع المسرح الجامعي فيما مضى في تكريس طاقات عدد من المبدعين والنجوم الموجودين اليوم على الساحة الفنية. ‏

اليوم قامت الدكتورة ماري الياس مشكورة وبجهد فردي كبير بإنشاء برنامج متكامل يعنى بتنشيط المسرح المدرسي ولكنه للأسف ضاع بين الدروج أو سلال المهملات... ‏

 

كلمة لي (للمحاورة)

هل ستضيع كلماتنا وحوارنا هذا مع ما ضاع من العمر؟

سؤال وجهته لنفسي وأنا أنهي حواري مع هذا الفنان القلق والذي انعكس قلقه عليَّ، وشعرت بمسؤولية الأمانة في ضرورة إيصال كلماته بصدق.

فإلى كل من يقرأ : هذا هو فارس الحلو الفنان والإنسان

samarbaghajati@yahoo.com